التعود.. حالة تنتزع المعنى، وتفقد الشعور وزنه، هي كلمة تبتلع كل لحظة، تأخذك لدائرة مصمتة، لا بداية فيها ولا نهاية. آفة تصيب العلاقات، المشاعر، العبادات.. تصيب ذاتك، فتتيه عن ماهية وجودك ودورك في هذا الفضاء الواسع. أذن المؤذن لصلاة العشاء في أولى ليالي رمضان وساد الصمت بعدها.. كان شعوراً مختلفاً ومؤلماً إلى حد كبير.. صوت القراء.. فطور العائلة الكبيرة.. الأعمال الخيّرة وأكثر.. كلها تفصلها خطوة واحدة عن عتبة منزلنا الذي نلازمه هذا العام. أغلقت الباب، وعدت أبحث بين ركام المعاني وترسبات التعود عن المعنى الحقيقي لرمضان.. فما هو رمضان؟
أؤمن أن الأزمات تصنع المعجزات، توقظنا، وتعيدنا للميلاد الأول، للنشوة الأولى للتجربة. تعيد تعريف المألوف وتتجرد من عباءة القوالب القديمة اليابسة. خذ نفساً عميقاً وتجاوز كل الصور المزيفة التي شكلتها المسلسلات أو الإعلانات الاستهلاكية ترحيبًا برمضان. عد للمعنى.. للغة الجمعية. للعطاء.. للتقوى.. للإحسان. تحرك من المفهوم الفردي للإصلاح إلى اللغة الشاملة التي تعزز من قيمة الإيمان لديك.. كن بخير وليكن العالم كله كذلك بخير. ولكن يأتي السؤال: كيف ونحن محاصرون بالمرض والخوف، وملتزمون في بيوتنا نحفظ النفس والمجتمع؟ كيف نمارس الطقوس الروحية الاعتيادية في ظل الظروف الراهنة، وأقصى ما نصل إليه الغرفة المجاورة؟
إذا فُهم المعنى توسعت سبل المعروف! وإذا أُغلق بابٌ فُتح ألف باب للعطاء.. رمضان سماء من الخيرية لا حدود لها، وقيمة زئبقية تتشكل في كل إناء كوثري للإحسان. لذلك امدد يديك إليك وإلى الدائرة الصغيرة حولك، تجرد من الشكلية وتعمق في الماهية، وليكن مسجدك منزلك، وعطاؤك بِرّ أهلك، وذكرك الكلم الطيب لمن يعملون معك.. اصنع من التقنية محرابًا جديدًا يجتاز بك كل الظروف، ومن العزلة فرصة تعيد فيها تعريف ذاتك للكون، ومن المحنة تجربة فريدة تعيش بها رمضاناً يحمل عنواناً جديداً.. ولا أزيد على كلام سيد البشرية صلوات الله وسلامه عليه حين قال: “وَجُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا”..
تم نشر المقالة هذه لأول مرة في جريدة الرياض بتاريخ 10 مايو 2020م