في عام ١٩٩٨م، وحين كانت عائلة سورية صغيرة تتابع مسلسلها التلفزيوني بكل اندماج، تعطل جهاز التلفاز أمام دهشة الحاضرين، ليجد أفراد الأسرة أنفسهم في حالة من الهلع والفراغ، وفرصة تحررت فيها أعينهم من السجن الانفرادي أمام الشاشة الملونة. ولحظة تكشفت لهم شخصيات تعيش بينهم لا تعرفهم، يسأل الأب ابنه فيها : “آيه بابا ماقلتلي كيف أخبار دراستك؟”، فيجيب الابن: “مشي الحال بابا تخرجت!!” فيسأل الأب بتعجب: “صحيح !! إمتى!!؟؟”. هكذا قدم مسلسل مرايا في حلقة “سهرة غير تلفزيونية” صورة واقعية عن إدمان العوائل للقنوات الفضائية حينها ومدى أثر ذلك سلباً على العلاقة الأسرية والانفصام الاجتماعي بين أفرادها. ما شدني في هذه الحلقة كيف للقوى الخارجية من أجهزة إلكترونية أو مشاغل حياتية أن تحفر خندقاً منيعاً بيننا وبين محيطنا الأقرب وربما بيننا وبين ذواتنا.
دراسات عديدة ناقشت أثر التقنية السلبية، عمل الأبوين وصحة العائلة على الوثاق الأسري، وعلاقة أفرادها ببعضهم. فرغم الجهود الحثيثة لتحقيق المعادلة المستحيلة بين العمل والحياة، إلا أن فخ الانشغال وتغليب الأولويات الشكلية يلتهم كل لحظة عائلية مهمة. ليست مبالغة حين نجد أنفسنا أغراب .. نعيش مع غرباء في بيت واحد، خاصةً حين تصمت انشغالاتنا أمام كارثة كونية أو وباء عالمي، ويتسيّد السؤال الموقف بمتى؟ وكيف؟
بعضنا ترك ساعة الحائط ملعقة بلا عقارب، تحتضن صورة قديمة للحظة ما، توقفت هناك، ولكن لم يتوقف الوقت من حينها. أطفالنا كبروا، آبائنا هرموا، ولازالت نقرات أصابعنا السريعة على “الكي بورد” لم تتوقف و “صكة البلوت” لم تنتهي. علمتني الحياة، أن أثمن ما يمتكله الإنسان هو الوقت، وأثمن مافي الوقت هي تلك اللحظات القليلة التي نمضيها مع من نحب. لذلك، وأنت تقرأ مقالي هذا، ارفع رأسك وأنظر حولك، أنظر بعمق في كل محيطك، في أطفالك وزوجك، في حاضرك وأمسك. انصت لحديث ابنك الغير مفهوم، شارك في تحقيق حلم سائق سيارتك، احتضن زوجك، واجمع شتات عائلتك في لعبة أو مشاهدة فلم أو حضور حفلة مسجلة لأم كلثوم.

تم النشر في جريدة الرياض بتاريخ 17/5/2020
Photo by Sabrina Abadli on Unsplash