منظوماتنا صناديق معقدة ومتشابكة من التشريعات، والاستراتيجيات والثقافات والبيانات.. وبالتأكيد الإنسان.
نغرق في ظلال ساعات العمل اللامنتهية وندخل دواليب الدوران المستنزفةِ وتتشبث أرواحنا بالمكان والمهمة حتى نفقد زمام القيادة وتحترق دافعيتنا. فمهما بلغ فينا الإخلاص أن نؤدي وننجز فلا ينبغي أن يتجاوز الحرص حدود قيمتنا وهويتنا ولا أن تتعدى مناصبنا على إنسانيتنا وتوهمنا أن لا قيمة لشيء في حياتنا سوى .. للعمل. نحن جزء من كُل، وهذا “الكُل” رغم اعتماديته البالغة عليك، وتغذيته المستمرة لك بأهميتك، وتعليقه المستمر لصورك المبتسمة كموظف الشهر، إلا أنك في الحقيقة “رقمٌ” ضمن سلسلة أرقامٍ كثيرةٍ صعبة أو سهلة أو “تِرسٌ” جوهري أو ثانوي في قلب محرك المنظومة النابض، قابل للعطل والتبديل.
الحقيقة، أن لا شيء في هذه الدنيا يظل يحتاجك دومًا. مؤلمة .. ولكنها الحقيقة! ربما سيظل مكانك فارغًا في قلوب المحبين ولكن لن يكون حال مِقْعَدك كذلك.
في غيابك، ربما سيتعطل العمل أو المشروع يومًا، أسبوعًا، أو سنة، ولكن مهما طالت المدة أو قصرت، ستعود الأمور إلى نصابها وتغادرُ المنظومة تلك المحطةَ الحرجة مُلوّحةً للمغادرين من بعيد لتقف في أخرى قريبًا. تذكر أنّ حياتكَ أكثرُ اتساعًا من حدود مكتبك، وأنه من ظُلمِ ذاتك أن تُخْتزلَ طموحاتك في منصب وعلاوة. إياك ولعنة الكرسي فإنها قاتلة، وزيف زوايا الراحة فإنها خادعة، وظلام سجون الخوف فإنها مرعبة. اجتهد وتجرأ وتقدم ولكن إياك أن تتعلق. اعطِ كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه .. وأحسِن. وإذا نادى المنادي و أُذِّن للرحيل .. ارحل بسلام.
Photo by Jonathan Borba on Unsplash
تم نشر المقالة بتاريخ 19 مارس 2023