نصحني رجل حكيم ذات مرة قائلاً: “إياك أن تبني مستقبلك على أسُسٍ من أوهام! فالصرح الذي يُبنى على وهم، مهما طال بقاؤه، سيهوي بصاحبه ذات يوم”
لطالما كانت فطرتنا البشرية ميالة للسرعة، للسعي الدائم للوصول لأقصى قدرة، لاستهلاك جرعات النجاح العاجلة وللانزلاق صوب فلاشات الاحتفال الباذخة. فلاريب .. نعيش اليوم ديمومة التوقعات المتضخمة وحاجة الإثبات المستمرة أننا قدرون على الإنجاز و مؤهلون كفاية أن نملأ كل زوايا مقاعدنا.
بالتأكيد .. الإنجازات السريعة والرغبة الملحة للظهور على لوحات “الأفيش” كالأبطال مطلب حثيث للمرحلة الحالية، فالقادة الجدد مدفوعون بالحماسة وأحيانًا بالخوف لتجديد رخص الكفاءة لدى مدرائهم ومسؤوليهم، وتقديم قرابين استفتاحية في صور مشاريع وإنجازات فورية. فبالرغم من منطق الدافعية لفكرة “الإنجازات العاجلة” إلا أنها إنجازات دائمة الوقوع في فخوخ الهشاشة والسطحية ومثخنة بالخيبات واللوم والانتقادات اللاذعة. فكثير من تلك المغامرات المتعجلة تنتج منازل باهظة الأثمان خاوية الأعمدة والأساس. الرحلة نحو الإنجاز السريع في عمومها .. مهزوزة .. فاقدة التركيز .. وموهمة.. تشعرك بشعور الانطلاقة المثيرة.. ولكن نافذة الرؤية فيها معتمة.
إذًا كيف نجد التوازن بين إشباع الحاجة الملحة للإنجاز السريع وتحقيق أعلى مستويات الجودة؟ هل هي أصلًا ممكنة؟
يكمن السر في اعتقادي في تصويب التركيز على تعليق رؤية كريستالية واضحة في صدر المنظومة أولًا (ماذا نريد أن نحقق؟) ومن ثم إعادة تعريف معنىً منطقي ومتزن للنجاح متناسب مع القدرات الحالية ومستوعب للمؤثرات الخارجية المحيطة (كيف نقيس الأثر؟)، والأهم من ذلك كسب ثقة الفريق وتشييع مفهوم النجاح الجمعي والهدف الواحد. ففي البيئات التي تعيش حاجة الإنجاز السريع، وجَبَ تكييف المنظومة لتكون ريادية في ديناميكيتها ومنفتحة للابتكار والتجربة ومتصالحة بشدة مع الخطأ (كيف نحقق؟).
ربما لن نصل لجذوة الجودة المطلقة أو لن نستطيع تحقيق كل شيء وفق وتيرة وسرعة واحدة.. ولكننا سننجز! وسنشعل معيارًا تنافسيًا مقبولًا يكون بنية رسيخة لمستقبل المشاريع والتطلعات القادمة. لذلك اقْتَضَت الحاجة توزيع موازين التركيز وضبط مؤشرات سرعات المشاريع والأعمال بتناغم كي لا تحيد وتختل. إذًا هي لعبة توزيع الموارد وفن إدارة الأولويات والتوقعات!
تم تحرير هذا المقال في ليلة 23 من رمضان 1444هـ الموافق 14 ابريل 2023 م