مرعبٌ هذا الوقت!
ستغمض تلك العين وتفتح أخرى لتجد الوقت قد أزف، وذلك الشخصُ الخمسيني الذي كنت تنعته يومًا بالكِبَرِ صار أنت!
دائمًا ما يفزعني عقرب الساعة وهو ينساب بهدوء من بين أصابع الانشغال أو يتراقص برشاقة هاربًا من شاشة جوال .. هكذا .. كراقصة باليه تقوم “بالبيرويت” بأناقة .. بلباقة .. وبهدوء.
نحن مجموعة أحلام.. طموحات.. وآمال .. نعيش هذه الدنيا وصفحات طفولتنا عطشى لأحلام عظيمة. نظلُّ نرسم ونرسم بلا هوادة وكأن لا حد للورق .. للألوان ولا للأحلام .. ولكن نخاف .. نخاف أن ننظر في صفحاتنا القديمة ونسأل .. هل ماتت أحلامنا.. تشردت ..بارَت .. تبدَّدت مع ذوبان الأيام أم ارتحلت إلى كراسة طفلٍ آخر لتتحقق هناك؟ كانت أحلامنا تعيش في حِمى البراءة واللامستحيل، محفوفةً بالدمى والعرائس وكونٍ شاسعٍ من الممكنات، حتى أبَحنا للخوف والتردد أن يكْسِفا شمسنا ويحل مكانها الظلام.
كل ما “تَكْ” العقرب أيقظ فيَّ ثورةً من الأسئلة وزبَدًا ممتدًا من اللوم والأحزان على التقصير والتسويف وإتقان فن التأجيل والنسيان. نتقن إزهاق أنفاس الزمن ببرود التكاسل وصنوف الأعذار وكأنما نغرِفُ من نهرٍ وافرٍ لا ينضبُ وهو يكاد يجف. نتلاعب بعدَّاد الأولويات، نوهم أنفسنا أن أهدافنا هي أولوياتنا ولكنها فالحقيقة مجرد رغبات عابرة لا أكثر نحملها معنا من عام لعام.
“إياك أن ترحل وفيك حلمٌ ينبض”
أبشع الجرائم تلك التي ترتكبها في حق نفسك .. في تِيهِكْ عن التمتع باللحظات السعيدة أو تَقبُّرِك في لحظاتك المؤلمة الحزينة حتى يتجاوزك الوقت فتُصْبح ذاتكَ ماضيًا للنسيان. لن يتعاطف معك الزمن ولن يُربِت على كتِفيك أحد .. ستحزن وتبكي وتتعطل وتختلق كل الأعذارِ المُرْضية المقنعة لك في لحظة التوقف هذه .. ولكن .. لن تتوقف الساعة أبدًا عن الدوران.
تحرك الآن .. نعم الآن.. وخذ خطوتين للأمام.. خطوةٌ لتعود إلى مدار الزمن الذي تأخرت عنه، وخطوة أخرى لتسابق ذاتك وتتجاوزها. إياك أن تقع ضحية “ياريت” أو أن تكون سجين أقفاص “اللو” الشيطانية. كن أنت كما تريد .. حرًا .. أبيًا.. تنضح بالعنفوان والإشراق. عُدْ مرةً أخرى إلى كراسة طفولتك واستذكر بين صفحاتك “من أردت أن تكون” وكنْ.
تم نشر هذا المقال في ليلة 26 من شهر رمضان المبارك 1444هـ، الموافق 17 ابريل 2023 م
Photo by: Rod Long