الكابتن ماجد

في عام 1978م، وعلى ملعب أنتونيو فيسبوكيو ليبرتي، بمدينة بوينس آيرس الصاخبة بأنغام التانغو واهتِفاف الجماهير المشتعلة، رفعت الأرجنتين كأسها العالمي الأول، وسجلت اسمها في تاريخ الذهب. ملايين العشاق شهدوا هذا العرس الكروي المتخم بالبهجة والإنجاز. شاشات التلفاز كانت نافذتهم وتذكرة عبورهم الأوحد نحو الحلم والوقوف مع منتخباتهم الوطنية في كفاحهم الرياضي الصاخب من ملاعب القارة اللاتينية. وهناك، بعيدًا هناك، في إمبراطورية الشمس المشرقة، في منزل صغير بمدينة كاتسوشيكا بضواحي طوكيو اليابانية، جلس يوشي تاكاهاشي ابن الخامسة والعشرين ربيعًا متسمرًا أمام شاشة التلفاز، مأخوذًا بسحر المستديرة، ومفتونًا بإيقاعها المتناغم وتشكيلها الجماعي القويم، ومبهورًا بتناسق هيكلها القيمي مع المبادىء اليابانية الأصيلة. هذه الصافرة المتسللة إلى شغفه، كانت ريشة ميلاد الشخصية الخيالية الأكثر تأثيرًا في تاريخ الرسوم المتحركة الرياضية، “الكابتن تسوباسا أوزورا” أو كما نعرفه في عالمنا العربي بـ “الكابتن ماجد”. 

يقول السيد سابورو كاوابوتشي، الرئيس الأسبق لاتحاد كرة القدم اليابانية عنها: “لا أبالغ لو قلت أن شخصية الكابتن تسوباسا ساهمت وبشكل ملهم في صناعة كرة القدم اليابانية”.

لم يكن الكابتن ماجد نتيجة ثقافة كروية وطنية سابقة، فكُرة القدم لم تكن لعبة ذات ممارسة شعبية حينها، ولم يكن حتى تمثيلًا لبطل قومي يحاكي إنجازاته وأمجاده، فاليابانيون كانوا ثقافيًا مشبّعين بلعبة البايسبول وأبطالها. بل كان حلمًا جريئاً، ظاهرة عالمية خلقت حراكًا كرويًا ممتدًا في اليابان وما بعدها. مئات الملايين من قصص “المانجا” المصورة بيعت وتُرجمت لعشرات اللغات، متاجرٌ رياضية أفضت خالية من القمصان والكرات، وأجيال أضحت مجنونة بكرة القدم تركلها في الردهات والطرقات. حتى قيل أنّ من شدة تأثر المراهقين بشخصية الكابتن ماجد، أصبحوا يقلدون تسديداته ومناوراته، ويميلون إلى اللعب في المراكز الوسطى، آخذين بنصائح وتوجيهات مدربه روبرتو هونغو. 

لكن كيف يعقل لشخصية خيالية كرتونية أن تملك كل هذا التأثير؟! وكيف استطاعت أن تزيح هيمنة الألعاب الأمريكية وقتها وترتقي في سيادة الاهتمامات والرغبات الرياضية، وتصبح لعبة اليابان الأولى؟ 

إنها ببساطة سطوة الحلم، واستهداف الطفولة بقوالب قصصٍ سُكّرية، وصياغة شخصيات قريبة ممكنة التشبه والامتثال، وبالتأكيد لا نستطيع أن نغفل قوة اِجتياح كرة القدم عالميًا وقتها وتربعها مكان الاهتمام عند الصغار قبل الكبار. يقول مؤلفنا يوشي تاكاهاشي: “إنني وبدلًا من استخدام لاعبين محترفين في حياكة القصة، فضلت جعل الأطفال هم الأبطال، حتى تستطيع الأجيال القادمة أن ترى نفسها فيهم وتنمو مع فصول الحكاية”. فالكابتن ماجد، ابن الحادية عشر، كان يشبه وزملاؤه مئات الآلاف من أبناء اليابان الحالمين، الجوعى لشغف جديد وقدوات ملهمة مُشبّعة بالقيم والطموحات.

تسوباسا تعني باليابانية “الجناح”، وهو المعنى الذي ربما أراد به السيد تاكاهاتشي أن تحمله تفاصيل الحكاية، وتطير بأحلام اليابانيين إلى منصات التتويج والبطولات يومًا ما. للقصص المصورة والرسوم المتحركة دور كبير في تشكيل هوية الأطفال والسيطرة على حيّز حميمي في ذاكرتهم الشاسعة، فهي جرعات مركزة من البهجة والمتعة والألوان تثير عند الطفل رغبة الفضول والاكتشاف، وتتشربها بسلاسة عقولهم وقلوبهم وتذوب في خيالاتهم وسلوكياتهم وقيمهم بلا استئذان. يمكن لهذا الخيال الماتع أن يؤسس لحراك فني، ثقافي أو رياضي واعد، يخلق قدوات قيمية مُترعة بالأحلام والقيم ويصنع معجزات وإنجازات جديدة. يمكن القول أن الرسوم المتحركة والألعاب الإلكترونية ومثيلاتها اليوم تقوم مقام “الأبوة المصورة” في توجيه السلوكيات وتأصيل الأخلاق. فـ “كرتونية القيم” أصبحت من أدق وأسرع معاول غرس المفاهيم وبناء طموحات الأجيال. أطفالنا خيالات خصبة وعقول متفتحة، تمتص بِنَهَم كل ما يعبرُ أمام أعينهم ويطرق بدهشة مسمعهم. لذلك كان حريًّا بنا أن نوظف الإبداع والخيال وننتج الأفلام ونساهم في صناعة قصصٍ عظيمة أخرى كالكابتن ماجد، محلية المعنى وعالمية الأثر، لعلنا بذلك نبلغ آفاقًا ملهمة جديدة يكون أبطالها أجيال المستقبل.

تم تحرير المقال في صحيفة عكاظ بتاريخ 31 مايو 2023 ميلادية

أضف تعليق