لا يمكنك أن تغلب العارضة أبدًا!
حتى وإن ظللت تستمع إلى خطابات التحفيز المتناثرة في فضاءات التواصل الاجتماعي أو حتى لو أخبروك أنك تستطيع. ستظل العارضة ترتفع في كل مرة سنتيمترين .. ثلاثة .. أربعة أو ترتفع أكثر .. حتى تسقطك منهزمًا أمامها بلا أمل. هذه الحكاية التراجيدية هي لأحد أفراد العائلة الأولمبية التسعة الحديثة، المولودة عام 1896م والتي شكلت أحجية معقدة أمام أعظم رياضيها على مر التاريخ. الوثب العالي، أو كما تُسّمى أيضًا بالوثب العامودي، الرياضة التي يجد الإنسان نفسه وحيدًا أمام عارضة مصْمتة، متجردًا من كل شيءٍ إلا قدرته، وسرعته، وقوته، وقدم واحدة مرتكزة على الأرض تقفز به فوق المصير. هي الرياضة التي تتراقص على شعرة نحيلة بين الجشع للمزيد والطموح المرتبط بمعجزة التمرين. واقعية بتصرف، لا تحتمل المفاجآت ولا تقبل أن تخضع لعبثية الصدفة. لعبة عادلة تحترم قوانين الفيزياء وتنحاز لشريعة النتيجة بعد الجهد والبذل.
رياضة الوثب العالي عجيبة جدًا! فعارضتها لا تفتأ أن تقامرك إن تغلبت عليها لتختبر ثباتك وفهمك لقدرتك ووعيك بذاتك. تلاعب الحماسة فيك وتدفعك أن تحاول أكثر حتى تسقطك منهزمًا أمامها كما فعلوا من كانوا قبلك. لن تتوقف العارضة أبدًا عن التحدي والارتفاع فوق قدرتك الآنية، فلا حد لها ولا شعور بالخذلان ينهش هيكلها البلاستيكي الفارغ. فهي أحد تلك الرياضات التي تعتقد في الوهلة الأولى أنك تصارع العارضة وتجالد المستحيل للقفز فوق الممكنات، في حين أنها غير ذلك تمامًا. فمنافسك الحقيقي هو أنت .. أنت وحدك.
أنت من يحدد مايكون تحدّيك الحالي والقادم، وماهو الحد الفاصل بين الممكن والمستحيل، ومتى تنسحب فائزًا من ساحة المنافسة للإعداد للسنتيميترات القادمة. لا بأس أن تتوقف عن المحاولة أو أن تكتفي بنتيجة المرحلة، خاصةً وإن حققت هدفك. ولا بأس أيضًا أن تنسجم مع واقعية الإمكانات ونتاج مستواك الذي بلغت به حدك الأخير، و ترحل فائزًا ببساطة. الخسارة الحقيقية هي حين ينفصل الطموح عن واقعية النتيجة الحتمية. وتظل تخسر محاولاتك الثلاث الأخيرة وتعود منكسرًا بذاكرة الهزيمة وحدك.
يدفعنا جشع الفوز (وليس الطموح) أن نستمر مهما بلغت خسائرنا لأننا موهومون بأن ما سيأتي لاحقًا سيكون أفضل بالتأكيد أو أنه يمكننا الفوز لو واصلنا مهما كان مستحيلًا. الفوز في مثل هذه الرياضات يبتدأ أصالةً في ساحات التدريب .. هناك أولاً قبل كل شيء. حين تعرف يقينًا متى ولماذا وكيف تفوز. حين تتعلم أدبيات التخطيط الجيد واستراتيجيات الانسحاب الإيجابية وتضبط ميزان التوقعات بدقة.
هذه الرياضة قريبة جدًا من واقعية حياتنا. المتأمل فيها يجد انعكاسًا عجيبًا بين قواعدها ومبادئها وبين أنماطنا السلوكية الشخصية والاجتماعية. فكما أن للعارضة سلوكًا عنيفًا ومشاكسًا في التحدي والمناورة، هكذا الحياة لا تتوقف عن التحدي والتلون والتفنن في التعقيد والمراوغة كلما ارتفعنا وتقدمنا. لذلك إن وقفت أمام عارضة الحياة، لا تدعها تخادع طموحك وتستفز عنفوانك .. فهي لن تُهزم أبدًا! ستظل قادرة على التحدي وعارضتها ترتفع أمام كل انتصاراتك وقفزاتك “الفوسبرية” شيئًا فشيئًا. لذلك تعلم متى تُقْبل ومتى تنسحب، ومتى تحين لحظة انتصارك حتى لا تندفع بتهور نحو المجهول مملوءًا بالوهم ومن ثم تهيم مكسورًا أمام ذاتك بقسوة.
هناك لحظات وجب أن تقف قليلًا لتتأمل وتعيد صياغة توقعاتك وأهدافك، وتختار تحدياتك بإحكام، فليس لزمًا أن تخوض كل تحدٍ تلقاه، وليس كل انسحاب وصمة عارٍ وانهزام. وهناك لحظات وجب أن تحسب خطواتك القادمة بعناية وهل هي كافية لتقوم بقفزتك التالية أم الأجدر أن تتوانى قليلًا حتى تكون مستعدًا أكثر. تذكر دائمًا أن معركتك الحقيقية هي تلك التي تكون أمام عارضة ذاتك، فما إن تتغلب عليها وتقفز فوقها حتى تنجلي لك الآفاق وتتشرب ثقةً عميقة تفتح لك أبعادًا وتحدياتٍ جديدة. وتذكر أيضًا أن الفائز الأخير هو من يملك حق الاختيار في أن يكمل أو يوقف السباق، فكن دائمًا الفائز الأخير.
تم نشر المقال في صحيفة عكاظ بتاريخ 25 جولاي 2023