تسير في شارع مكتظ بالناس .. الأجواء عليلة ونسمات الهواء تنسل من بين ثيابك تشعرك بالقشعريرة .. تجمع حواف معطفك إليك وأنت تقلب الفكرة تلو الأخرى تحاول أن تجد زاوية ارتكاز ليرتاح عقلك من التفكير .. الأصوات من حولك امتزجت لتشكل همهمة موزونة على وتر الضجيج .. أنت حاضر بكل حواسك .. وعيناك زوارة تبحث في وجوه الناس عن قصة .. وأنت تسير .. يقفز وعيك للحظة لتجد نفسك قاعداً في زاوية مبنى .. يكسوك الفقر والجوع والألم، تلعن الحظ وتمقت اللحظة .. كل ما يضنيك هو بحثك عن كسرة الخبز التالية وأن تجد عقب سيجارة يشعل ما تبقى فيك من إنسانية. باب المبنى يفتح فجأة ويخرج منه رجل متأنق في عُجالة .. تَهُب إليه عسى أن تجد عنده حسنة .. يقفز وعيك ثانيةً وأنت تبحث في محفظتك عن خمسة أو عشرة تعطيها هذا المسكين .. تركب سيارتك الفارهة وأنت تكمل نقاشك المحتدم .. لم يكن يومك سهلاً .. خسرت عقداً مهماً من جهة ومن جهة أخرى تصارع كابوس انهيار عائلتك الصغيرة نحو جرف الطلاق .. وبينما أنت متسمّرٌ أمام تلك الإشارة الحمراء، غارقٌ في غياهب الهم والتيه، إذ بوعيك يسافر لتلك السيدة العجوز أمامك وهي تجر عكازها وما تعتق من عمرها ورائها. تقتلكِ الوحدة وتذكركِ طقطقات مفاصلكِ بتلك المعتركات الشرسة واللحظات الثمينة الفائتة. متى كان موعد دوائي؟ أو متى انقضى عمر شبابي !؟ أهكذا بت وحيدة أقاسي مرير الصمت وحدي. وبينما أنا في ظلمة الأسئلة الأزلية إذ بطفلٍ يفتح لي نافذة من البهجة تُطل على روحي المتعبة، يناولني حلواه .. يجذبني إلى عالمه المشبّعِ بالأحلام. لماذا يا ماما لا ترافقنا هذه العجوز إلى مدينة الملاهي، لمَ لا تلعب معنا، لمَ اِحْدِيداب ظهرها وذبول فرعها، هل تتألم.. هل ستموت!
الوجوه … أقنعة متقنة الحياكة تحتجب وراءها كل الحكاية. نقف في أكواننا الصغيرة وحدنا .. نكابد الأفكار والأفراح والأتراح .. لا نرى من نكون .. وحدها المرايا والصور توثّق وعينا بماهيّتنا .. مضحك كيف أننا لا نملك حتى أن نعرف كيف نبدو إلا من خلال وسيط! كلنا يعيش في فلكٍ هو محوره .. تختلف فيه معايير القيمة، الألم، الطموح وأكثر. نراقب بكثب أفلاك من حولنا .. نتعجب، نحكم وننتقد رغم أننا لا نرى إلا تلك القشرة الرقيقة التي تخفي وراءها كل الصخب. لايزال الراوي يجول في دروب حكاياه .. تلك القصص التي تظل تنمو فينا ومن حولنا .. ربما لم نسمع بها أو ندري عنها ولكنها تحدث فعلاً وفي الحال!
لذلك وجب أن تعي “أنك لست وحدك” من يعاني، يفرح أو يحمل وخم المآسي .. لست وحدك حين تستنزفك اللحظة وتغرقك العَبّرة وتجّتذِبُك الوحدة لثقبك الأسود .. عد هاهنا مرة أخرى .. إلى ذات الشارع .. إلى الوجوه .. إليك أنت .. وأنظر بعمق مرة أخرى إلى ما وراء الحكايات وأكمل المسير
المملكة المتحدة، لندن
١٤ يناير ٢٠٢٥م