من كرسي القرار إلى طاولة المستشار
كنت قد طويت صفحة الـ”مهد” ووضعت تجربتي بعناية على رفوف الأثر .. هناك حيث الحكايا والمحطات والذكريات التي شكّلت بتفرد هوية الرحلة. غادرت الأكاديمية .. ومازالت أغاريد البهجة وزحام الهتاف والتشجيع تتردد في خلدي .. موزونة بإجادة على وتر الأمل .. كأجمل أغنياتي وأكثرها معنًا عندي
مضت عامان منذ ترجلي سروج القيادة العامة .. تلك المنابر الممكّنة والتي تشق لك الآفاق لتصنع التغيير وتخدم وطناً متوّجاً برؤية عصماء وعزيمة صادقة تُصَيِّرُ المستحيل .. ممكناً. مضت العامان سريعةً .. سريعةً جداً ولكن مثقلةً بتجربة جديدة لم تكن ابنة العادة أو مشابهة لمحطات رحلتي الماضية. كنت في حالة دَوِيٍ دائم أبحث فيها عن جبهة جديدة أحط بها رحلي وأغرس فيها حرف فصلي الأول. وكان سؤالي الخالد في كل مرحلة ترخي فيها ظلال التجربة فصلها الأخير .. ماذا بعد!؟
وكما أن للتخطيط والتدبير أهمية بالغة لرسم ملامح الخطوة القادمة .. إلا أن الدهشة لا تفتأ أن تباغتك من حيث لم تحتسب! كانت خيارات المرحلة التالية معدودة ومطروحة أمام شغفي في ميادين تطوير وبناء الإنسان. كنت قد أعددت العدة وبدأت تعبيد طريق متصلةٍ بحكايتي القادمة .. وفجأة! وبلا استهلال! وجدتني وبوصلتي نتخذ درباً مختلفاً .. بعداً آخر .. نصافح فيه القطاع الخاص .. حيث لللعبة أدبيات وقوانين أخرى. لم يكن قراراً سهلاً أو انتقالاً سلساً .. بل بالنسبة لي .. قفزة إلى المجهول .. صنفها البعض .. بالمُغامِرة أو الجريئة!
كان الانتقال للقطاع الاستشاري .. قراراً مختلفاً .. يبدو في ظاهره قراراً وظيفياً محض .. ولكن كان يحمل في طياته أكثر من ذلك! كان هدفي أن أفارق حيز الراحة .. أن أفاجئ نفسي بخطوة تعيدني إلى تشكيل ماهيتي من جديد .. أن أعود “أنا” متجرداً من زخم الأدوار والمناصب والصور .. أعود لحقيقة من أكون .. واسأل .. هل أنا من أظن أنني أنا!؟ هل أنا القائد الذي أظن أنني هو!؟ ومن أنا دون هذه البهرجة والصور!؟
في تجربتك القيادية .. يصيبك “الكرسي” بلعنة مؤقتة .. بقوة موهومة تبث فيك نشوة السيطرة .. بحالة مشتِتةٍ تغيّب عنك غاية وجودك ومهمتك .. والكثير الكثير من الوحدة! فقط قليلون هم من أحسنوا فك عقدة الكرسي وتحرروا من الفتنة وأعادوا ضبط ميزان أدوارهم وحققوا الأثر
أدهشني هذا القطاع بحيويّته وتسارعه .. بحركته الإيقاعيّة النابضة .. بقدرته أن يعيدك كل يوم لمقاعد التعلم .. وبتمكينه أن يجعلك جزءًا مؤثراً من كل قصة .. خلال رحلتي بين دهاليز هذا العالم الشاسع .. تعلمت أن الثقة هي ما تعكز عليه كل شراكة .. ودوام الأثر هو ما يعزز كل قيمة .. وأن الفرد جزء من كل .. وأن الفريق هم في الحقيقة كل شيء. تعلمت أنك لن تحيط بكل الإجابات علماً ولن تكون لديك كل جوامع الحلول .. ومهما اشتدّت النوازل وعاثت بمساعيك الكروب تحتم أن تكون المعين الأمين.
واليوم وأنا أضع “عِقال” المستشار وبعد أن انتقلت للجانب الآخر من الطاولة .. أقلّب في دفاتر الرحلة وأدون بقلمي هذه السطور .. أستطيع أن أرى بتجلي بعضاً مني في كل تجربة في كل سطر وكل كلمة .. أرى كيف للدروب الماضية أن تلتقي وتشق طريقاً نافذاً لما هو آت .. لا مجال للصدف فكل شيء بقدر. فالرحلة لم تكن طريقاً إلى غاية، بل كل الغاية في الطريق. أن أذوب هذه المرة في أهداف الآخر ..أن اضبط موجتي كل صباح على أثير موزون فلا أحيد ولا أزيد عن الأثر. وهكذا وكيفما تبدلت المقاعد والأدوار لازال للقصة صدًى يتردد على طول الأمد .. فما أن يسدل ستار فصل مضى حتى يؤذن للستار أن يرتفع .. فلست هاهنا أخط ذكرى ماضية وحسب، بل أشارك في كتابة فصل يحمل معنًى أعظم، يخطه الإيمان والأمل، ويخلّده العزم والعمل.