من الهويّةِ إلى الميداليّة

كيف تصبح الرياضة لغةً لتشكيل الهوية وبوابةً لصناعة الأبطال


على منصّاتِ التّتويج حكايا تتلحّفُ بأعوامٍ من الهمّة.. أوطانٌ تقفُ خاشعةً أمام لحظاتِ التّحقيق.. ومضاميرُ ضمّت في دروبِها أحلامًا.. وأنّاتٍ وأحاديثَ كثيرة.

لا شيء يخضعُ لعبثيّةِ الصُّدفة!.. وراء هذه الميدالياتِ الملوّنة، والكؤوسِ البرّاقة، والإنجازاتِ المشرّفة.. مجتمعاتٌ وجدت في الرّياضةِ أملًا يترجمُ هويّتَها، ونافذةً مضيئةً تطلّ على مستقبلِ البطولةِ من قريب.

تكادُ تلمسُ روحَ الحركةِ في كلّ زوايا المكان.. أناسٌ يركضون.. أطفالٌ يلعبون.. ورفوفٌ تملؤها هتافاتُ الإنجازِ على الدوام.. ولكن لماذا؟!

لِمَ تنفردُ دولٌ عن دولٍ في سباقاتِ الإنجازِ الأولمبيّ والعالميّ، ونجدُ فيها مجتمعاتٍ تنضحُ بالهمّةِ والصحّةِ والحركة، وأجيالًا من الموهبةِ مصطفّةً على أبوابِ الشّغف تستعدّ لِتكتب اسمَها على الصّفحةِ التّاليةِ من التّاريخ!؟

لم تبدأِ الحكايةُ يومًا من الملاعب.. بل من الحاجةِ لإيجادِ لغةٍ تُعزّزُ الهويّةَ الوطنيّةَ، ومبادراتٍ خلّاقةٍ تُوطِّدُ الوثاقَ المجتمعيّ، وصرخةٍ تمثّلُ الضّرورةَ الملحّةَ للتغيير.. وأكثر.

ففي نهايةِ القرنِ التّاسع عشر، وتحديدًا في المملكةِ المتّحدة، ساهمتِ المؤسّساتُ التّعليميّةُ والدّينيّةُ حينها في وضعِ حجرِ الأساسِ للعديدِ من الرّياضاتِ الحديثة، ككرةِ القدم، والرغبيّ، والكريكت.

مدارسُ عامّةٌ وخاصة كهارو وإتون وغيرها وأنديةٌ سباقةٌ ورائدة كشيفيلد كانوا صافرةَ البدايةِ لحراكٍ رياضيّ أثمرَ لليوم عن أكثرَ من أربعين ألفَ نادٍ في بريطانيا وحدها!

وكما كان لتأسيسِ المنظّماتِ التّشريعيّةِ الوطنيّةِ في بريطانيا، كالاتّحادِ الإنجليزيّ لكرةِ القدم، أثرٌ نافذٌ في وضعِ اللّبناتِ الأولى لتنظيمِ اللّعبةِ ونشرِها، كان لميلادِ الرّابطةِ الوطنيّةِ لرياضةِ الجامعاتِ في الولاياتِ المتّحدةِ الأمريكيّة (NCAA) عام 1906م – مثلًا – والتي تضمّ سنويًا أكثرَ من نصفِ مليونِ رياضيٍّ منتقًى بعنايةٍ من رياضيّي الثّانويّاتِ الأمريكيّة، والّذين تتجاوزُ أعدادُهم ثمانيةَ ملايينَ رياضيّ، دورٌ جوهريّ في رسمِ خارطةِ الطّريقِ للموهبة، وحثِّ منظومةِ الأسرةِ والمؤسّساتِ التّعليميّةِ على أن تجعلَ من الرّياضةِ معبرًا للتفوّقِ والأمل.

دولٌ عديدةٌ أخرى قادها أمنُها الوطنيّ وحاجتُها لتعزيزِ الصحّةِ والعدالةِ المجتمعيّةِ إلى توسيعِ ممارسةِ الرّياضة؛ كالجمهوريّةِ الفرنسيّةِ وقانونِها لتأسيسِ الجمعيّاتِ غيرِ الربحيّة عام 1901م، والذي سمح بإنشاءِ آلافِ الأنديةِ الرّياضيّةِ المحليّةِ التي بدورها أتاحتِ الفرصَ لاكتشافِ وتطويرِ الموهبةِ في مختلفِ الرّياضات.

كما ساهم البرنامجُ الوطنيّ «جاهزٌ للعملِ والدّفاعِ السوفيتي» (GTO) عام 1931م في قيادةِ الجاهزيّةِ البدنيّةِ وتعزيزِ الممارسةِ الرّياضيّةِ للمواطنين، وكان حجرَ الزّاويةِ للبرنامجِ الوطنيّ للياقةِ البدنيّةِ والصحّةِ اليوم، والذي استهدفَ في هيكلتِه جميعَ الفئاتِ السنيّةِ من 6 سنواتٍ حتى 70 سنة، من خلالِ عشرِ مراحل، وآليّاتِ تقييم، وشاراتٍ أدائيّةٍ تحفيزيّة.

والصّين – وعلى ذاتِ السّياق – تبنّتِ المنهجيّةَ السوفيتيّةَ في تأسيسِ المدارسِ الرّياضيّةِ المتخصّصةِ لاكتشافِ وتطويرِ المواهب، والتي ساهمت في تخريجِ الدّفعاتِ الأولى من الرياضيّين الصينيّين العالميّين في رياضاتٍ كالغوص، وتنسِ الطاولة، والجمباز، ليصلَ عددُ هذه المدارسِ اليومَ إلى ما يقربُ من 3000 مدرسةٍ رياضيّةٍ متخصّصة، وتتربّعُ الصّينُ ضمنَ الدّولِ الأولى في التّصنيفِ الرّياضيّ العالميّ.

يقول الرّئيس نيلسون مانديلا:

«للرّياضةِ القدرةُ على تغييرِ العالم. لديها القدرةُ على الإلهام، ولديها القدرةُ على توحيدِ النّاس..»

فعلاً.. للرّياضةِ قدرةٌ عجيبةٌ على تشكيلِ الهويّةِ الجمعيّةِ للأُمم، ونفوذٌ يتعدّى كلَّ معرّفاتِ القوى التّقليديّة، ونافذةٌ جريئةٌ تشرقُ من خلالها آمالُ الشّعوب.

هذه المبادراتُ والحراكُ الاستراتيجيّ والذي قادته عدد من دولُ العالم ليس إلا وعيًا بأهمّيّةِ الرّياضةِ في إعادةِ هندسةِ ثقافةِ المجتمعات، وإيجادِ المعنى، وتوجيهِ السلوكِ الفرديّ، وبالتأكيد قيادةِ حراكٍ اقتصاديّ سريعٍ ومتنامٍ. 

وحتى وإن تأخّرت صافرتُك للبداية، لا يهمّ! المهم أن تتجاوزَ خطَّوط البدايات، وتظلَّ تسابقُ نفسَك خارجَ حدودِ المضامير، على وتيرةِ الفوز التي لا تهدأ، متمسّكًا بأملِ ميلادِ قصّةِ البطلِ الجديدة.. كلَّ يوم.

أضف تعليق