ويقف ساكناً بلا روح .. ولا ظل يحمله .. هكذا كغضنٍ أجردٍ لا لون له ولا جَلدْ. ما أقسى الحروف حينما تهجر حرم الكلمات وتجعل الأقلام عاجزة أمام وحشة التعبير .. ضعيفة حتى عن قدرة التوصيل وتكوين أيسر الجمل والمعاني. ملامة بجريرة الظروف وتقلب الأحوال وأزيز المشتتات اللا منتهية.
الكتابة من فصيل السهل الممتنع .. تبدو في ظاهرها ممكنة سهلة ولكن في حقيقتها سقوط عميق في ذاكرة التجربة ونبش دقيق عن الحقيقة والكلمة. ما إن تلتقط قلمك أو تزور أصابعك لوح الكتابة حتى تجد نفسك وحيداً على خشبة مسرح أمام ذاتك وأمام جمهورٍ غفير من الأعين المُتسمّرة نحوك .. تنظر وتنتظر عملك! وأنت أنت لازلت تقف مكتوفًا أمام حرفك الأول بلا حراك.
مهيبة تلك الأوراق البيضاء .. تجذبك بعنف في ثقب أبيض لاحد فيه .. لا بداية ولا نهاية .. حتى يغرس قلمك فيها نقطة اتزان فتتضح لك زوايا الأفكار وترتسم أمامك لوحة الخيال بالصور والألوان. فالكتابة لغة الحواس التي ما إن اتحدت حتى شكلت مصفوفة متناغمة الأركان. أقصوصة خالدة مبذولة منك لدار التاريخ الذي لا ينسى.
كثيرة تلك اللحظات التي وجدتني أنا وقلمي وحيدين على ناصية الطريق بلا وجهة .. نريد المسير ولكن تأبى المعاني أن تأخذ بأيدينا. تعرقلنا المثاليات والتسويف والظنون وتخدرنا الأعذار وتثقل هموم الحياة عقولنا. حتى وأنا أحرر هذه السطور أجدني أروّض الحرف علة ينصاع طواعية للكلمة. أجاذب الشعور والمعانى .. أحاورهما .. أنزع لهما الأبواب والنوافذ كي يدخلا آمنين سالمين بهدوء إلى ساحة النصّ لتنبت جملة. الكتابة ترجمة سامية للذات .. تجلٍ يقطف من ثمار الخيال فكرةً تصاغ بدهشة. فجد الثغر الخفي في ذلك السد المنيع كي تنبجس من خلاله أنهار النور وتسقط حُجبُ التجلي وتنساب الكلمات بين السطور حرة، أنيقةً، على حرف موزون. اجعل الكلمات ترسم صورةً أخرى لذاتك، مَرْأًى موازياً تتشكل فيه المعاني هويةً سامية لمن تكون.
تم نشر المقال من خلال مدونتي بتاريخ 29 جون 2024م – الرياض
ما أعمق الفكر!!!!💥💥👏