باحثون عن الشعور بالتقدير .. بالإعجاب.. بالمكانة .. في وقت لا فرق إن تحركت فيه العقارب في قرص من حديد أو ذهب!
السقوط في وهم الامتلاء بالصور .. بالرمزيات الفارغة .. بالـقيمة الوضعية المختلقة من خيال شخص ما! أحوال تغذيها العقلية الجمعية التي تقدس مفهوم التفرد من خلال وسيط المادة. تُسقط هذه العقلية في وعاء النفس قطرة حبر تدنس صفاء الروح والعقل، تغيّر أبجدية المعنى وتعكر صفو الشعور بالرضا والامتنان بالبساطة. تجعل بينك وبين التقدير أطوار وهمية متباعدة .. تخوض فيها غمار السعي وراء الثراء ثم الثراء .. ثم الشراء .. ثم .. ثم .. نعم الآن .. الآن فقط تشعر بالسعادة.
هذا التعقيد المتواصل بصور مصنعة ومعلبة وجاهزة للتسميم، يتمثل أحياناً في علامة تجارية لامعة .. منتجات عطرية باذخة.. ممر قماشي بلون زاهي. فبمجرد أن لدينا صفين متفرقين أحدهما له طابع أرقى وأكثر فخامة عن الآخر فإننا لا إرادياً نأذن لغرائز خفية كالسطوة والتعالي أن تشاركنا طاولة الشعور. كل ذلك يشكل مفهوماً مغلوطاً عن القيمة، المكانة الاجتماعية، والثقة. في الحقيقة، كل ذلك ينتزع من الذات شغف السعي نحو غاية أسمى .. نحو البناء .. نحو خلافة الأرض وتحقيق القيمة العظمى للوجود.
ثورشتاين فيبلين ووبيير بورديو وآخرون هم من درسوا السلوك البشري والمفاهيم الاستهلاكية وخرجوا بنظريات علمية تفسر النزعة نحو التفرد، والتباهي والطبقية. هذه الظواهر لا يقتصر أثرها على المستوى الفردي فحسب بل تشكل الهوية الجمعية التي قد تورث من جيل لجيل. خطير أن نستمد ماهيتنا ومعانينا من حقائب وساعات ومركبات، وننسى أننا نحن من نُكسب الأشياء قيمتها لا العكس.
ربما ليس جديداً ما ذكرت .. نعلمه .. نفهمه ونستوعبه .. ولكن الحقيقة أننا غارقون بعمق فيه .. ومصابون بشيء من أثره لأننا جزء من كل .. جزء من نسيج اجتماعي متشابك ومؤثر .. ومحاطون بترسانة إعلامية مسيطرة تجعل من اللاشئ شيئاً. هذه القشور الفارهة مندسة بهدوء في التركيبة الحديثة للقيمة .. متذاكية في كيفية الوصول للمنطق والعقل. تذوب بسلاسة في تفاصيل التفاصيل حتى تصبح مكوناً أساسياً للعادية والسلوكيات الاجتماعية.
هنالك فرق شاسع بين أن “تَشتري” لتستفيد، تستمع أو تستزيد .. وبين أن “تُشترى” كوسيلة ترويجية لقيمة وهمية بائدة. أن تلبس لتُرى وتركب لتصل، أن تعتقد أنّ الأغلفة هي من تصنعك وتشكل هويتك. المهم أن لا تفقد ذاتك بين الضجيج، بين ما يعتقد هذا ويظن ذاك .. المهم أن يكون شعور الاكتفاء خالصاً من داخلك.. نابعاً من أصالة جوهرك .. متشبعاً بمن تكون .. حتى ينضح مافيك ويغرق كل ما حولك.
تم تحرير المقال في مدينة الرياض، 18 أغسطس 2024م